تدمير النموذج السنّي الجاذب
لم ينته الأمر عند هذه الطلبات غير المنتهية للإيرانيين، فقد وصلت تقارير الى الحرس الثوري الإيراني أن خيارات العلويين اتفقت إلى أنه إذا كان الخيار مابين البعثية والخمينية فإن الحل الثالث هو اليسار والحركة الشيوعية. اعتبرت الخمينية أن توجه النخب العلوية الى اليسار خصوصا مع تحالف الشيوعيين مع الإخوان المسلمين فقد يكون تمهيدا لـ "تسنين" الطائفة لأن العلويين ليس لديهم زعماء يسار من الحجم الثقيل مما سيزيد من جاذبية اليساري السني وبالتالي فإن احتمالات تحول السني-اليساري إلى مثال ونموذج تصبح أقوى، فكان أن أقدمت قوات الأمن السورية في عام 1982 على اعتقال كل طلاب قسم الهندسة من جامعة حلب وألقي بهم في السجن وعذبوا الى درجة أن من خرج منهم عاد مشوهاً الى أهله لايستطيع رفع ظهره الى الأعلى. في جامعة حلب كان هناك خليط شيوعي من السنة والعلويين وقد اشتهرت هذه المجموعة بأنها الأفضل تعليماً في الجامعة.
بعد تطبيق أجندة الحرس الثوري الإيراني باعتقال اليسار العلوي وتعذيبه على نحو أشد من اليساري السني، وبعد استغلال حجم أدونيس الشاعر العلوي لمكانته العربية والداخلية، خصوصا أن والده شيخٌ في الطائفة العلوية، صار الواقع السياسي السوري ممهدا بالكامل للابتلاع الفارسي، وهو بدأ بالكامل من اللحظة الأولى لوفاة الأسد الأب ووراثة الأسد الابن.حيث هدمت كل آليات الممانعة السورية أمام هذا الابتلاع ومنذ مباشرة الأسد الابن أعماله رئيسا للدولة السورية تحولت الجمهورية العربية السورية إلى معتَقَل فارسي يضع سجن الباستيل الفرنسي في جيبه الصغيرة.
الانتصار الفارسي وهزيمة الشّوام
الكل يعلم أن الأسد الأب أفاد من العروبة لـ "تعريب" العلويين خصوصا بعيد الضخ التضليلي الذي مارسته فرنسا الاستعمارية أول العشرينيات من القرن الماضي حيث استغلت عزلة جبل العلويين عن الوطن الأم وروجت بينهم معلومات ثبت الآن زيف ادعائها بالمطلق وهي أن العثمانيين قد قتلوا 400 ألف علوي في تطهير عرقي ومذهبي.
فبعد التنقيب في كل التسجيلات العلوية من القرن السادس عشر وحتى قيام دولة العلويين أول العشرينيات من القرن الماضي، فإنه لايوجد في هذه المدونات أي إشارة تذكر لا إلى مذبحة ولا إعلى إعدام بل فقط مجرد جوائح مرضية فيروسية كانت تضرب شمال وشرق أوروبا وانتقلت العدوى مع حروب السلطنة ومع عساكرها الذين كان منهم كثير من العلويين الذين كغيرهم نقلوا المرض إلى الجبال وحدوث وفيات بالآلاف، وهو مااستمر في الشفويات العلوية الدارجة إلى الآن حيث إذا أراد علوي أن يعبّر عن أمر جلل وخطير وهائل فيقول " الموت الأصفر" وهي منطوقة شفوية درجت مع الأطباء اليسوعيين الذين كانوا يعالجون المرضى العلويين المصابين بفيروس قاتل الشعوب : الطاعون. لقد عرف الأسد الأب أن المعلومة الفرنسية قصد منها دفع العلويين الى الانفصال وهو ماحدث في الربعية الأولى من القرن الماضي، ثم حاربها القوميون العرب في سوريا وانقلب دعاة الانفصال الى دعاة وحدة، كالشاعر الكبير بدوي الجبل منظّر الدولة العلوية وكاتبها كما ذكر هاشم عثمان في كتابه عنه "بدوي الجبل وجحيم السياسة"، إلى أهم عروبي قومي في حينه وإلى الآن تتغنى الأجيال قصائده الممجدة للعروبة.
لكن الحق يقال أن آل الآحمد وهم آباء بدوي الجبل "أحمد سليمان الأحمد" لم يتفاهموا مع النظام الحافظي وكانوا معارضين أشداء له خصوصا في مرحلة قصف وتدمير قرى مدينة حماه، لأن آل الأحمد من أعرق وأشهر العائلات العلوية المثقفة حيث كان أب العائلة الشيخ سليمان الأحمد رحمه الله عضوا في المجمع اللغوي بدمشق منذ مطلع القرن وكان صلة الاتصال الأولى مع شيعة لبنان، لم يكن أبناء الشيخ الجليل يوافقون على هذه الحرب المفتوحة على الإخوان المسلمين وأن ضرب السنة بهذا الشكل ماهو إلا إعلان خراب للديار العلوية. فكانوا يجاهرون بانتقاداتهم لمؤسسة المخابرات والجيش وحزب البعث خصوصا منهم الدكتور الراحل علي سليمان الأحمد الذي كان بيته يراقب من قبل أجهزة الأمن طيلة اليوم. حتى انتهت مأساة آل الأحمد بمقتل أحد أبنائهم في باريس حيث قامت المخابرات السورية بتصفية المعارض الذي نعتذر من القراء لنسياننا اسمه بسبب تشابه أسماء آل الأحمد مابين أحمد ومحمد ومنير. وقامت الدولة إرضاء للعائلة الشهيرة بتعيين أحد احفاء الشيخ المؤسس، عبر تعيين الدكتور أحمد الأحمد رئيسا لمهرجان دمشق السينمائي. وللعلم فإن قرية "السلاَّطة" التي يتشيخها آل الأحمد هي بالقرب من القرداحة مما زاد من أزمة هذه العائلة ولا مجال الآن لذكر كل التفاصيل.